وهبة الزحيلي

108

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

التفسير والبيان : وَقالَ فِرْعَوْنُ : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ، ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي أي وقال فرعون الطاغية الجبار ملك مصر : يا أيها القوم ، لم أعلم بوجود إله غيري ، أي إن إله موسى غير موجود ، وإنما أنا الإله ، كما قال تعالى في آية أخرى حاكيا عنه : فَحَشَرَ فَنادى ، فَقالَ : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى [ النازعات 79 / 23 - 26 ] . دعا قومه إلى الاعتراف بألوهيته ، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم ، كما قال تعالى : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ [ الزخرف 43 / 54 ] . وليس قصده من ادعاء الألوهية كما أبان الرازي « 1 » كونه خالقا السماوات والأرض ، وإنما وجوب تعظيمه وعبادته ، أي عبادة الملك صاحب السلطة والنفوذ المطلق والانقياد التام لأوامره . وهذا من إغراءات الحكم والسلطان ، وغرور الملك والعظمة . فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ أي فاصنع لي يا هامان الوزير آجرّا ، تبني لي به قصرا عاليا جدا ، شامخا في الفضاء حتى أصعد به وأرتقي إلى السماء ، فأشاهد إله موسى الذي يعبده ، توهما منه أنه جسم كالأجسام المادية الأخرى . وإني لأعتقد أنه كاذب في قوله : إن هناك ربا آخر غيري ، كما في آية أخرى : وَقالَ فِرْعَوْنُ : يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ ، أَسْبابَ السَّماواتِ ، فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى ، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً ، وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ، وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ [ غافر 40 / 36 - 37 ] . وقد أراد فرعون بادعاء الألوهية وبناء أعلى صرح في زمانه التلبيس

--> ( 1 ) تفسيره المعروف بالتفسير الكبير : 24 / 253 .